ما وجدنا عليه آباءنا

ما وجدنا عليه آباءنا

 

         من أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان العاقل هو اتباع شخص آخر في أفعاله دون تفكير أو وعي أو أن يسأل حتى عن الأسباب التي تدفعه لهذا الفعل وماذا سيستفيد، إنه اتباع عبد لسيده مع بصيرة عمياء. ألا يجب أن يفكر في الأمر ولو لبرهة؟

 ماذا إذا كان الذي تتبعه لا يعلم شيئا ولا يهتدي؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَاۤۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَاۤؤُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَهۡتَدُونَ﴾ [المائدة ١٠٤].

ماذا إذا كان هذا الاتباع من عمل الشيطان وسيؤدي بك إلى ما لا يحمد عقباه؟ كما في قوله عز وجل: وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَاۤۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ یَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِیرِ﴾ [لقمان ٢١]

فهو اتباع نابع من وسوسة الشيطان لا غير.

ماذا لو كان هذا الاتباع نابع من كره؟ لأنك تكره الطرف الآخر ولا تريد أن يكون له الكبرياء في الأرض، أي لا تريد له الخير وتحمل في قلبك غلا له. كما في قوله عز وجل: ﴿قَالُوۤا۟ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِیَاۤءُ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِینَ﴾ [يونس ٧٨]، فانت بذلك تدخل العاطفة في قرارات مصيرية.

      وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الاتباع قد لا يكون على شكل أفعال بالضرورة، بل مشاعر أو مواقف أو أفكار نتبناها دون ارتكاز على أسباب مقنعة ومعقولة، فقط لأننا وجدنا آباءنا عليها. ولا ننسى المكانة العظيمة التي أعطاها الله للوالدين ووجوب طاعتها، لكن مع ذلك نبهنا في هذه الآيات السابق ذكرها إلى خطورة اتباعهما دون وعي منا، فما بالك عندما نتبع أناسا لا تربطنا بهم علاقة قرابة، لذلك سنقوم بسرد التجربة العلمية التالية: قام مجموعة من العلماء بوضع خمسة قرود في قفص واحد، مع سلم في الوسط، وفي أعلى السلم هناك بعض الموز، في كل مرة يتسلق أحد القرود لأخذ الموز يرش العلماء باقي القرود بالماء البارد، وبعد ذلك في كل مرة يقوم فيها قرد ما بتسلق السلم لأخذ الموز يمنعه الباقون ويضربونه حتى لا يُرشون بالماء البارد، بعد فترة لم يعد يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز خوفا من الضرب. بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة ويضعوا مكانه قردا جديدا، فكان أول ما قام به القرد الجديد أنه صعد السلم ليأخذ الموز.

ولكن فورا قام الأربعة الباقون بضربه. بعد عدة مرات من الضرب أيقن القرد الجديد أن عليه أن لا يصعد السلم مع أنه لا يدري السبب!

ثم قام العلماء بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد وحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملاءه بالضرب وهو لا يدري لماذا يضرب! وهكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة، وصار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء بارد أبدا، ومع ذلك يضربون أي قرد يصعد السلم بدون أن يعرفوا ما السبب.

        انطلاقا من نظرية القرود الخمسة والسلم والموز، إياك أن تكون ذلك القرد الذي لم يرش بالماء، ومع ذلك اتبع الآخرين ولم يصعد السلم لجلب الموز، حتى أنه لم يحاول معرفة ما يترتب عن صعود السلم. ألا تظن أنه يجب أن تصعد السلم لترى ماذا سيحدث حتى لو منعك جميع القرود؟

 دائما وأبدا يجب أن نتدبر في أي عمل نقوم به ونتبع بذلك غيرنا، يجب أن نسأل ما الجدوى منه؟ ولماذا نقوم به؟ نبحث ونكتشف ولا نسمح للآخر أن يملي علينا أفعالنا ونحن لا نعرف الفائدة منها وسببها.

Enjoyed this article? Stay informed by joining our newsletter!

Comments

You must be logged in to post a comment.

Related Articles
يوليو ٢٦, ٢٠٢١, ٣:٤٧ م - اسيل علي محمد الحضرمي
يوليو ٢٦, ٢٠٢١, ٣:٤٣ م - رزان رواشدة
يونيو ٢٤, ٢٠٢١, ٧:٢٨ م - رزان رواشدة
About Author