هل يمكن للإفراط فى التفاؤل والتفكير الإيجابي أن يأتي بنتائج عكسية على الشخص؟

 

 

هناك الكثير من الأدبيات التي تدعو إلى التفكير الإيجابي كمفتاح للسعادة، وفي حين أن العديد من نتائج الأبحاث قد سلطت الضوء على الفوائد العديدة للحفاظ على نظرة متفائلة في الحياة، لكن يفضل البعض منا الحفاظ على منظور أكثر واقعية ورفض تبني وجهة نظر متفائلة للغاية للعالم، العديد من كتب علم النفس التي نراها في المكتبات اليوم تدفع في الواقع من أجل الإفراط فى التفاؤل دون الكشف بشكل كافٍ عن المخاطر المخفية في كثير من الأحيان المتمثلة في التفاؤل الشديد وغير الواقعي، من المؤكد أن التفكير الإيجابي هو آلية فعالة للتكيف، ولكن التوازن هو المفتاح  كما هو الحال مع العديد من الأشياء في الحياةK غالبًا ما يكون الإفراط في تناول الأشياء الجيدة أمرًا سيئًا، تمامًا كما أن تناول جرعة زائدة من الماء يمكن أن يسبب نقص صوديوم الدم (أو تسمم الماء).

فنحن نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا إلى أي مدى يمكننا المضي قدمًا مع النظارات ذات الألوان الوردية قبل أن تصبح ضارة لنا بالفعل؟ للإجابة على هذا السؤال دعونا نلاحظ بعض النتائج العكسية نتيجة التفكير الإيجابي والنظرة المفرطة في التفاؤل للحياة:

 

1- تجاهل المشاعر السلبية التى قد تكون مفيدة:

للأسف يتم التركيز كثيرًا على قوة التفكير الإيجابي لدرجة أننا لم نعد نقدر جودة المشاعر السلبية، على عكس ما قد توحي به بعض كتب المساعدة الذاتية، فإن صحتنا النفسية لا تتحسن ببساطة عندما نحاول التخلص من حزننا وغضبنا وخوفنا وغير ذلك من المشاعر غير السارة بأفكار إيجابية فقط، فكر في الأمر، بدون الشعور بالألم العاطفي الذي ينشأ حتمًا من النكسات المختلفة التي نواجهها في حياتنا، لن نكون مدفوعين لتغيير الأشياء للأفضل لأنفسنا وللآخرين، إن السماح للنفس بالشعور بمجموعة واسعة من المشاعر الإيجابية والسلبية يساعد المرء على إيجاد معنى في الحياة والنمو كإنسان وسط المحن التى يمر بها، وهي وصفة أساسية لتنمية المرونة النفسية.

قد لا ينفع استخدام التأكيدات الإيجابية لمواجهة الحديث السلبي عن النفس مع الجميع، كما كشفت دراسة وجدت أن الطلاب الذين يعانون من تدني احترام الذات شعروا في الواقع بسوء بعد أن طُلب منهم تكرار العبارة الإيجابية "أنا شخص محبوب" كل 15 ثانية. وبدلاً من أن يتحسن مزاجهم، فإن التأكيدات أضعفت هذا الشعور، كان من الممكن أن يدركوا أنهم بعيدون جدًا عن شعورهم الحقيقي تجاه أنفسهم، وأن قولهم بصوت عالٍ ربما يكون قد لفت الانتباه إلى انعدام الأمن لديهم.

 

2- تشجيع التفكير غير الواقعى:

يمكن أن يؤدي الإفراط في التفاؤل إلى غموض أذهاننا ويقودنا إلى سوء تقدير المخاطر واتخاذ قرارات غير سليمة، إنه يجعلنا نفترض خطأً أن الأشياء الإيجابية من المرجح أن تحدث لنا أكثر من الآخرين، وأننا أكثر مناعة تجاه الأحداث السلبية من البقية،

هذا التحيز المعروف باسم تحيز التفاؤل، يتضح في كيف يعتقد الآباء عادةً أن أطفالهم موهوبون أكثر من غيرهم، وكيف ينظر المتزوجون حديثًا إلى أنفسهم على أنهم غير مرجح تماما أن يلجأوا للطلاق على الرغم من المعدلات المرتفعة السائدة، وكيف ننخرط بشكل روتيني في نمط حياة غير صحي مثل التدخين  معتقدين أننا أقل عرضة للإصابة بالأمراض.

قد يدفعنا التحيز المتفائل إلى رؤية الأشياء بطريقة أقل موضوعية، لكن هذا لا يعني أنها كلها سيئة، فيمكن أن يدفعنا هذه إلى اتخاذ خطوات لتغيير وضعنا للأفضل، لكن تأتي المشكلة عندما ننغمس في التفكير غير الواقعى، ونختار تجاهل العلامات التحذيرية التي تلمح إليها مشاعرنا السلبية ونفقد قبضتنا على الواقع.

نرى ذلك في المحب المثابر، الذي على الرغم من تقديم أدلة واضحة على أن سيدة أحلامه ليست مهتمة به، لكنه يتمسك بالأمل في أن جهوده ستؤتي ثمارها في يوم من الأيام، ويميل مثل هذا الشخص إلى تجاهل الأدلة المضادة من أجل المثابرة على الوصول لهدفه.

 

3-خلق وهم السيطرة:

النتيجة الطبيعية لتحيز التفاؤل هي أننا نبدأ في الاعتقاد بأن لدينا سيطرة أكبر على نتائج الأحداث أكثر مما هو موجود بالفعل، وهو ما يسمى "وهم السيطرة"، فالتفكير الإيجابي يمكن أن يجعلنا متفائلين لدرجة أننا نبالغ في تقدير قدرتنا على تحديد النتائج، وعندما تقدم لنا الحياة ظروفًا بعيدة عن متناولنا، فإن السعي للسيطرة الحقيقية عليها هو مجرد تمني من جانبنا، يمكننا تجنب العديد من الإحباطات عندما لا نسمح لأنفسنا بأن ننجرف وراء حماستنا وتفاؤلنا غير الواقعي، ففي مثل هذه الأوقات يصرف التفكير الإيجابي انتباهنا عن النظر إلى المواقف بشكل كلي وواقعي، ويفضل بدلاً من ذلك أن نرسم لنا صورة وردية قد لا تكون موجودة بالفعل.

 

الخلاصة أن التفاؤل مطلوب ولكن باعتدال، حتى لا تعمى أعيننا عن الواقع، وحتى لا ننكر مشاعرنا الحقيقية، فلا بأس أن نشعر بالوحدة، أو بتأنيب الضمير، أو أن ينتابنا القلق والمخاوف، فهذه المشاعر والأحاسيس هي جزء من الطبيعة البشرية، فالتحلي بالتفاؤل مع الاعتراف بحتمية المآسي في الحياة قد يساعدنا على رؤية بصيص نور في نهاية النفق، وأن نتحمل المشقة حتى نصل إليه.

Enjoyed this article? Stay informed by joining our newsletter!

Comments

You must be logged in to post a comment.

Related Articles
يناير ١٠, ٢٠٢٣, ٢:٠٢ ص - عبد الفتاح الطيب
يوليو ٢٠, ٢٠٢٢, ١٢:٤٤ م - Sarora Fayez
مارس ١٠, ٢٠٢٢, ٩:١٨ ص - Sarora Fayez
فبراير ١٢, ٢٠٢٢, ١١:٠٩ م - Dr. Shahad
About Author