أَمَامُ المِدْفَأَةٌ (قصة قصيرة )

أَمَامُ المِدْفَأَةٌ (قصة قصيرة ) 

قصةٌ مِن قَريةِ دير ياسين - القدس - فِلسطين عام ١٩٤٨ .

قالت لي أمي ذات يوم يا بني لا تكن ودودا ولا تكثر من الكلام فالعاطفيين جداً هم أكثر من سيتأذى من هذه الحياة .

كنا ذات يوم نزرع الورود على جنبات بيتنا الريفي الواقع في قرية دير ياسين المطل على مركز مدينة القدس وبالتحديد المسجد الأقصى المبارك ،  كنت أنا أبلغ من العمر ١٢ عام وكانت العائلة تناديني بفارس الشقي نعم انا اعترف بعنادي وشقائي كنت شقيا بما يكفى لدرجة أن يصبح الهدوء مستحيلاً وكان ترتيبي الثاني بين إخوتي وكانت أختي التي تكبرني بسنتين اسمها صفية وكان هذا الإسم الجميل دارج جداً في بلادنا كانت صفية تشبه امي خضرة كثيراً فعيناها الواسعتين وشعرها الأسود اللامع وحنان قلبها وحكمتها رغم سنها الصغير ، وقد ورثت كل تلك الصفات عن أمي ، أما أخي حسن والذي كان عمره لا يتجاوز العشر سنوات كان هادء البال ، قليل الكلام ، مطيعاً لوالدي كان عكسي تماماً كان يشبه أبي في تصرفاته فأبي خالد قبل أن يعتاد على قراءة الصحف كان إنساناً هادئاً يحب المزاح لا يغضب إلا قليلا وبسبب إدمانه على قراءة تلك الصحف وخاصة صحيفة فلسطين أصبح وكأنه شخصٌ آخر تماماً يتوتر كثيرأ يغضب من أتفه الأمور عبوس الوجه حاد الطبع متقلب المزاج واكتشفت أخيرا أن كل ما يمر به والدي من حالة نفسيةٍ عصيبة كان بسبب الأخبار التي بالصحف والمقالات التي تتحدث عن استمرار هجرة اليهود الى فلسطين وازدياد قوتهم وعتادهم وأعدادهم وكل هذا بفضل القوات الإنكليزية عليهم وتشكيل عصابات وفرق صهيونية منظمة ومسلحة بأحدث انواع الأسلحة .

  وبينما أنا أتركهم يعملون بزراعة حديقة المنزل لأني مشغول بجمع الحطب على الأقل ما يكفينا للتدفأة والطهي يسخر مني أبي قائلا مجنون انت كتلك الشجرة المجنونة تجمع الحطب بعد إنتهاء الشتاء انظر إلى أختك صفية التي تشبة بحكمتها الوردة الجورية جميلة ولكن الشوك يغزو أغصانها ، هات الشاي يا أمي .

بدأ الإستيطان في قريتنا الجميلة عام ١٩٠٦ م بدأ قليلاً بشراء بعض الأراضي إما بالتزوير أو عن طريق بعض الجواسيس والسماسرة وكانت أغلب الأراضي التي بيعت لليهود عن طريق  أثرياء لعائلات عربية باعوا أراضيهم بعد اندلاع شرارة الثورة الكبرى عام ١٩٣٦ لعدم إستقرار الأوضاع وهنا تزايد الأمر سوءً ، كان الخطباء في الأقصى المبارك وكل مساجد فلسطين والمخاترة و المثقفين والكتاب يدعون الناس دوما على عدم بيع أراضيهم لا لليهود ولا لأي عربي او سمسار مشبوه ومن يفعل ذلك خائن وسيعدم بإسم الثورة وبعد اقتناع اليهود أن الفلسطينيين لن يبيعوا أرضهم وأن بعض الأراضي التي حصلوا عليها ليست كافية لتحقق حلمهم بوطن قومي لليهود على الأراضي الفلسطينية  ، في هذا الوقت اتجهت الحركة الصهيونية لإستخدام الإرهاب والتطهير العرقي وهذا سيتم من خلال العصابات الصهيونية التي تدربت بالجيش البريطاني فكانت عصابات منظمة مثل الهاجانا والآرغون وشتيرن تم تدريبهم على الرماية والقتال بكل أنواع الأسلحة من سكينة المطبخ الى المدافع الثقيلة بينما من كان من الفلسطينيين يوجد بحوزته سلاح واحد كان يحال الى الإعدام فورا بمحاكمة كالمسرحية ، حتى أن جدي الحاج حسن والذي كان من وجهاء القرية ومن الأقلية التي استلمت المخترة قد أحيل للمحاكمة وحكم عليه بالإعدام بسبب وجود ذخيرة فارغة من البارود وجدوها في  فرن الطابون أمام باب بيته ولولا رحمة الله الواسعة لكان قد أعدم ويرجع الفضل إلى أبي الذي أخذ فرسه وذهب إلى الوجهاء والشيوخ من المدن المجاورة حتى استطاع أن يجلب كتاباً للمندوب السامي يفيد بأن جدي كان حسن السيرة والأخلاق ومعروف عن أهل البلد بالكامل وأن أعداءه كثر   وكان الكتاب مختوما من كل وجهاء المنطقة وشيوخها فقامت القوات الإنكليزي بإطلاق سراح جدي مع عزله عن ممارسة المخترة أما أنا فلم يفارق التفكير رأسي بعد رواية والدي لهذه القصة فسألت والدي وهل عرفتم من الفاعل الذي وضع الفشك الفارغ في فرن الطابون ولماذا يستقصد جدي ؟ فأجابني قائلا إن جدك كان رجلاً وطنياً جداً ذات مرة جاء على ديوانه سمسارٌ ليشتري قطعة أرض ويوثقها وكان السمسار عربياً من الخونة الذين باعوا دينهم ودنياهم فكتشف جدك ان ورقة الطابو ورقة مزورة وأن تسجيلها والإعتراف بها يعتبر خيانه وبسبب رفضه لهذا العمل ولإتخاذه هذا الموقف الشريف نشك ان هذا الجاسوس هو من وضع له الرصاص في فرن الطابون ليتخلص منه ، ان سماسرة الأوطان ياولدي يقبضون ثمن خيانتهم بآلاف الجنيهات  فيشتري الأراضي التي هي مشاع وليست ملك لأحد بطابو مزور ويسجلها بإسمه ثم يتنازل بها للحركة الصهيونية ، هؤلاء هم الخطر الحقيقي الذي يحدق بنا يا ولدي .

توفي جدي الحاج حسن في عام ١٩٤٥ م ودفن في الأرض التي عشقته وزادها بانتمائه عشقاً ، توفي بعد أن عاصر العثمانيين والإنكليزيين والصهاينة ولم يبدي ولاء إلا للأرض التي كان يحرثها ويبنيها .

 بعد أن أصبح الصهاينة جاهزين للإحتلال والقتال سحبت بريطانيا انتدابها وجنودِها من فلسطين لنستيقظ في الصباح ونجد أن المعسكرات البريطانية أصبحت فارغة من الإنكليز وإنها الآن ملك للعصابات الصهيونية وبدأ التطهير العرقي من قبل الهاجانا ضد العرب وإخراجهم بالقوة أو إحراقهم أحياء ففي ٩/ نيسان / ١٩٤٨ م دخلت عصابات آرغون وشتيرن بقيادة الهاجانا الى قريتنا وعاثو فيها الخراب لم يبقى شيخ ولا طفل  ولا رجل ولا امرأة ولا شجر ولا حجر شاهدتهم بأم عيني يجمعون الرجال في منتصف القرية يقتلونهن ثم يحرقونهم ويجلبون النساء الحوامل اللواتي على مشارف الولادة ويتراهنون الجنود الإرهابيين على المال والطعام ما إذا كان جنس الجنين ذكر أم أنثى بداخل بطنها  فيعقرون بطنها ويخرجون المولود ثم يحرقونها بطفلها ، لن أنسى ذلك اليوم المشؤوم أبدا كنا نحن من الأقلية الذين نجوا من هول تلك المجزرة ، تركت أمي الطعام على النار على أمل أن نعود بسرعة أما أنا شعرت بالقشعريرة وأنا أودع المدفأة وكنت أهمس وأقول ربما سأشعر البرد طوال حياتي بعد الآن وداعاً في أمل اللقاء فصرخ أبي علينا وقادنا نحو الباب وأخرجنا وأغلق البيت بالمفتاح وخبأه لعله يرجع واستطعنا الهروب بأكملنا دون أن نعرف ما مصير أبناء عمنا وعمومتنا استطعنا خلال الأودية والإختباء بين الأشجار حتى وجدنا أنفسنا في الخليل التي كانت لم تسقط بعد وتابعنا المسير حتى أريحا وهنا وجدنا مخيم عقبة جبر للاجئين الفلسطينيين فوجدت رجلا مهرولاً علينا وعلى بزته شعار اعتقد أنه تابع للأمم المتحدة وأنه موظف في هذه المنظمة ، وبكل هزلية يعرض علينا المساعدة فتذكرت ما قالته لي أمي أمام المدفأة 

" لا تكن ودودا يا بني" فهم من قاموا بالتغاضي عن العصابات الصهيونية ودعموها سياسياً واقتصاديا ولم يلتفتوا لجرائمهم ضد شعبنا الأعزل واليوم سوف يغيثوننا تباً لحقارتكم سيدي  ، شعرت بالبرد الشديد فجأة رغم ارتفاع درجات الحرارة فعرفت لاحقا ان هذا الشعور لم يكن بسبب حرارة الطقس انما كان شعور فقدان الوطن .

 وبعد أيام تدخلت الجيوش العربية بإرادة الشعوب العربية  فما زال قادة الجيوش العربية بريطانيين لأن المنطقة ككل خضعت للإنتداب البريطاني والفرنسي وحتى بعد انسحابهم وإعلان إستقلال بعض الدول العربية إلا أن الإنسحاب لم يكن كاملاً كانوا يسيطرون ويأثرون بعض الشيء على السياسات العربية وكان ما زال منهم قادة في الجيوش العربية ولسوء حظ الفلسطينيين دوما هم من قاموا بإدارة مجريات الحرب ببدء القتال ووقفه وعمل الهدنة ورغم ذلك قاتل الجنود العرب ببسالة واستشهد منهم الكثير من الأبطال ، حتى قامت العصابات الصهيونية بقلب الطاولة على الجيوش العربية وهذا كان لا يتم لولا القادة البريطانيين في صفوف الجيوش العربية .

وما ان انتهت الحرب وخسر العرب حتى قامت الحركة الصهيونية بإعلان إستقلالها في ١٥ /أيار /١٩٤٨ م على دماء شعبنا وعظام أجدادنا وتراث جداتنا .

عشنا في ذلك المخيم الذي لم يشبه الوطن قط حتى لو كنا كلنا فيه نعاني نفس الشعور و نفس المحنة عشنا في المخيم بخيمه وأزقته و مدارسه ومراكز الرعاية الصحية أخذوا منا الوطن وأعطونا بدلا عنه بضع مدارس ومراكز صحية وخيمة ومونة للأكل وصابون ، كانت أمي تصنع حلوى السميد الملونة  الرائعة وتعطيها لأبي ليبيعها ونسترزق منها على عربة زرقاء بثلاث عجلات وكنت أساعد أبي في بيع حلوى السميد ، كان أبي طيب القلب متواضعا كان يبيع قطعة الحلوى بحجم كف اليد بنصف قرش أما أنا عندما أصبحت بياعا ماهرا ولم أبلغ بعد سن الخامسة عشر أصبح أبي يعتمد علي فأصبحت أبيع قطعة الحلوى بقرش كاملا او بقرش ونصف و هي قطعة الحلوى نفسها التي كان يبيعها أبي بنصف قرش لم أكن أفعل ذلك بدواعي الإستغلال إنما كنت أريد أن أصنع بعض الأشياء كبيت طيني صغير ومدفأة وشراء بعض الأقمشة لأمي وأختي صفية لا بد أن ترجع الإبتسامة ولو قليلا على عائلتي صفراء اللون شاحبة الهيئة أريد أن أصنع شيئا ولو كان ببعض المال ، أليس من حقنا الحياة ، وبعد أيام بدأت حالة الطقس تتغير وبدأنا ندخل في فصل الخريف قليلا قليلا فانتهزت الفرصة كعادتي وجلست مع أبي وطرحت عليه الفكرة بأن ننشأ بيت طيني صغيرا يقينا من الأمطار والبرد الشديد فرحب بفكرتي كثيرا وقال لي إنك كبرت حقاً ياولدي ولم تكن يوما صغيرا بسبب آلام فقدان الوطن الذي عشناه معا ثم استطرد قائلا لكننا نحتاج قليلا من المال فقلت له لا تقلق فأنا أملك بعض المال وقال ابي وكيف ومن أين ؟ قلت له قصتي ببيع الحلوى فكنت أعطيك المعلوم من بيع الحلوى يا أبي وأخبئ ما حصدت من ربح بطريقتي بالبيع فتعجب وضحك ثم قال لي هيا نبدأ البناء ، بينما كان والدي وأخي يبنون البيت كنت أنا أستمر في بيع الحلوى وما هي الا أسبوع حتى أنتهى بناء البيت الطيني الجميل بجدرانه الأربعة وسقفه المكون من سفح النخيل و النايلون وبعض الطين وفتحة صغيرة لتمرير أنبوب الدخان الصاعد من المدفأة نحو الخارج ، وفي اليوم التالي  انا من حدد مكان المدفأة وقلت لهم إن المدفأة ستكون  في منتصف الحائط المجاور لباب المنزل ، وبدأنا العمل أنا وأخي حسن نقوم بخلط الطين بالتبن ونصنع منه طوب البناء وأبي يبني المدفأة بكل احترافية و حذر وما إن إنتهينا من بناء جدران المدفأة بقي الأنبوب فوضعه أبي في منتصف سقف المدفأة وثبته بالطين ثم إخرجه من سطح البيت وهنا قامت صفية بتعزيل البيت وقامت أمي و أحضرت الطعام وكان طعامنا يومها خبز الطابون وحساء العدس الدافئ مع القليل من الليمون والبصل الأخضر وما إن انتهينها وقمنا بإشعال الحطب في المدفأة حتى بدأ المطر بالهطول وبشدة ، لم أرى سماء أمطرت بكل هذا الخير من قبل رغم أن دير ياسين كانت مرتفعة وباردةً جدا .

وهنا جلسنا أمام المدفأة ضحكنا و وفرحنا وبكينا سويا وظل الدمع يجري على جفن أعيننا ، شعرت بالدفئ لأول مرة بعد أن تركنا دير ياسين وهاجرنا ونجونا مع من نجوا ، أمي تحدثنا عن ذكريات الماضي وعن دقتها في فن تطريز الثوب الفلسطيني الخاص بأهل دير ياسين وأخي حسن صامتا والدمع على خديه وأبي متأملاً يذكر جدي حسن وشجاعته واشتياقه له وأختي صفية تدندن وتغني أغنية للثوار مطلعها ..( يا طالعين عين للجبل ياموقدين للنار عين للهوى ياروح ) .

  وفجأة أصبح يزداد الجو برودة والنار تزداد إشتعالا وأنا أقترب أكثر فأكثر من المدفأة حتى شعرت أني أزداد برودة كلما أقتربت من المدفأة ، فشعرت وأيقنت ورددت قائلاً حينها من أمام المدفأة أن لا دفئ يعلو فوق دفئ الوطن وأن اللاجئ سيشعر دوما بالبرد وإن احترق بمدفأة المنفى ، وبدموع كثيفة تمسحها أمي عن وجهي  وتقول إن ما نشعر به هو الحنين لدفئ الوطن للقدس لدير ياسين . 

النهاية ....

 

هذه القصة القصيرة تحتوى على بعض الحقائق التاريخية التي أصيغت بأسلوب الرواية لتحقيق الحبكة الفنية للنص . 

 

بِقَلَم مُحَمَّد العَزَّة . 

Enjoyed this article? Stay informed by joining our newsletter!

Comments

You must be logged in to post a comment.

Related Articles
يناير ١٠, ٢٠٢٣, ٢:٠٣ ص - Momen
يناير ١٠, ٢٠٢٣, ١:٥٢ ص - صانعة السعادة
يناير ١٠, ٢٠٢٣, ١:٣٧ ص - anis
أبريل ١٣, ٢٠٢٢, ٣:٥٥ ص - Mohamed
مارس ١٨, ٢٠٢٢, ٣:٣٢ م - Sarora Fayez
فبراير ١٢, ٢٠٢٢, ١٠:٥٣ م - مريم حسن