ماذا إن كنت أنت الناجي الوحيد ؟

ماذا لو كنت لوحدك على وجه هذه الأرض ؟ هل كنت لتتمتع بالحرية و السعادة التي تتمناها أم أنك ستعاني من فرط الوحدة في هذا العالم الكبير ؟ هل كنت لتتخذ أسلوب حياة منظم أم أنك ستمضي تتخبط بشكل عشوائي في تلك الطرقات الخاوية و ستفقد الحياة أي معنىً لها ؟ هل نحن نعيش من أجل من نحب أم أننا نفضل العيش لأنفسنا فقط دون الإلتفات لما يقاسيه الآخرين أو قيمة وجودهم من حولنا ؟

دفعتني تجربة الناجي الوحيد ، ذلك الفتى الإستثنائي الذي أصاب الجميع بالحيرة و الجنون على أحد صفحات التواصل الإجتماعي ، إلى إعادة النظر و الإمعان و طرح المزيد من التساؤلات و لكن وفق نمط إجابات مختلف تماماً عما كان عليه سابقاً ، هذه المرة كان مبنياً على تجربة تخيلية واقعية إلى حد كبير جداً شاهدتها و عشتها عبر كل تلك المقاطع القصيرة التي كان ينشرها ذلك الشاب على حسابه على تيك توك .

حقاً ، كيف كان ليكون الواقع إذا ما كنت أنا بمفردي .. أجوب الطرقات الخالية و ألِج إلى المحالّ التجارية العملاقة الصامتة صمتاً غريباً لم أعتده في حياتي .. و هي التي كان هدوءها أمراً مستحيلاً حتى في ساعات متأخرة من ليالينا المظلمة .. و تلك المعالم و المدن التي ما كان ليخف زخمها أبداً .. و تلك المدارس التي كانت تمؤها صرخات الأطفال و ضحكاتهم .. أين العائلة و الصديق ؟ أين المعلم و الطبيب ؟ أين الأحبة و الأطفال ؟ أين اختفت كل الاختلافات و المقارنات و أصبح كل شيء رتيباً لا معنى و لا صوت له .

كيف سيكون أول يوم لي بعد أن أستيقظ من ذلك المنام الذي استمر طويلاً لأكتشف أن كل معالم الحياة قد اختفت بشكل جذري و لم يبقَ سواي حيّ ؟ أنادي على الممرضات لعلّ احداهن تأتي لتتابع حالتي و تخبرني بكل ما حدث ، و لكن ما من مجيب ، فاضطر إلى تحريك هذا الجسد الذي صدئ من السكون المفرط ، أتجول بقدمي في ذلك المشفى الكبير فلا أجد أحداً .. لا مرضى ، لا أطباء ، لا ممرضات ، و لا حتى عمّال نظافة .. لا أحد سواي ، فأخرج إلى الشارع لأتفقد المدينة لعلّ هذا المشفى قد تم إغلاقه و بقيت بمفردي داخله ، و لكنني أتفاجأ بذلك الخبر الذي كان وقعه كالصاعقة عليّ ، الشارع خالٍ من أي بشري أو سيارات .. هل حدث أمرٌ جلل و أنا على ذلك الفراش الأبيض ؟ أتوجه إلى منزلي ، الحمدلله ما زلت أذكر الطريق إليه .. و لكن ياللخبر التعيس ، سأضطر إلى مزيد من المشي لأن سيارات الأجرة و المواصلات قد اختفت من الوجود تماماً و لا حلّ لي سوى مواصلة المشي حتى الوصول !

أصل إلى منزلي منهكاً موشكاً على الهلاك .. فأتمدد على ذلك السرير الواسع و أراقب السقف من فوقي محاولاً فهم ما حدث ، و لكنني لا أجد تفسيراً لأي شيء مما رأيته ، فأحاول التفكير بالأمر بشكل إيجابي بقدر الإمكان .. فأتذكر قولي ذات يومٍ بحنق " يا ليتني لو أعيش على الكوكب وحيداً" ، يا ترى هل تحققت أمنيتي الغاضبة ؟

هل تراي أتمتع بالحياة وحيداً .. بلا عملٍ و مدير بغيض ..بلا عائلة و إخوة متذمرون .. بلا أصدقاء مزعجون .. بلا تاجر استغلالي و حاكم فاسد .. بلا معاملات لا تنتهي و اجراءات أطول من ذلك الطريق المشهور المؤدي إلى روما !

هل آكل مجاناً ، و أرتدي ما أحب مجاناً ، و أتمتع بزيارة الأماكن التي أعشق إرتيادها بدون رسوم مدفوعة و لا حراسة مشددة ، حتى ذلك المكان الذي لم أفكر يوماً بالدخول إليه سيكون اليوم متاحاً ، هل أفعل ما أريد دون أن أتعرض للمساءلة و الحساب ؟

يبدو ذلك مثيراً حقاً ؟

لحظة هل هو كذلك بالفعل ؟

و هكذا قضيت ليلتي الأولى بالتفكير مراراً و تكراراً محاولاً الحصول على جواب .. و غفوت في منتصف تلك العاصفة التي كادت تنهش عقلي .

هذا ما أنا عليه الآن و واجب عليّ محاولة التأقلم من بعد ذلك !

إن قرأ أحدكم رسالتي هذه في يوم من الأيام .. بل إن كان للبشر وجود من بعدي فأود أن أقول لكم إنني أتمنى لكم السعادة مع من تحبون .. لا تتوانو عن قضاء الوقت معهم أحبوهم و أسعدوهم و اسعدواْ معهم .. لا تتمنواْ الوحدة .. إنها معاناة لن تفهموها كما فهمتها .

Enjoyed this article? Stay informed by joining our newsletter!

Comments

You must be logged in to post a comment.

Related Articles
يناير ٢٢, ٢٠٢٢, ٢:٤٦ م - Samo
ديسمبر ٩, ٢٠٢١, ١٢:٣٧ م - K.A
نوفمبر ٣٠, ٢٠٢١, ١٠:٠٠ م - بلقيس محمد
نوفمبر ٢٣, ٢٠٢١, ١١:١٢ م - Noor elyyan
نوفمبر ٣, ٢٠٢١, ٨:١٥ ص - حسين رجب
أكتوبر ١٤, ٢٠٢١, ٩:٠٦ ص - شهد بركات
About Author

كاتبة محتوى و صاحبة مدونة صمت الضمير .. أحب العبث بالقلم أحياناً .. و أقدّر هذه اللغة العظيمة لأبعد مدى ..