أسطورة مدينة النحاس

مدينة النحاس كما وصفتها الرواياتمدينة النحاس كما وصفتها الكتب التأريخية

تتجلى قيمة القصص التاريخة بالخيال الذي تضفيه في نفوس القارئين، فإما أن تكون واقعاً مدعماً بالحقائق و إما أن تكون لغزاً محاطاً بالأسرار. و المدينة في عنوان هذا المقال كانت ولا زالت جدلاً محاطاً بالظواهر التي لم يستطع التاريخ ولا العلم الحديث تفسيرها. فما هي مدينة النحاس؟ و أين تقع؟ و لماذا تعد من أخطر المدن و أكثرها غرابة؟

موقع المدينة:

اختلفت الأقاويل حول موقع مدينة النحاس، أو كما سمّاها البعض مدينة الصُّفر، وذلك بسبب عدم إيجاد أي أثر لهذه المدينة إلى يومنا هذا، فمنهم من يقول بأنها إما في المغرب، أو في أفريقيا، أو في أوروبا، و منهم من يقول بأنها موجودة بالقرب من المحيط الأطلنطي في الأندلس. 

الروايات التي تحدثت عن مدينة النحاس: 

تعددت الروايات التاريخية حول أسطورة مدينة النحاس التي وصفتها معظم تلك الروايات بالخيالية، و قد تم ذكر أبرزها في كتبٍ موثقة من الخلافة الأموية ككتاب "تحفة الألباب و نخبة الإعجاب" و "كتاب البلدان." 

تحدثت معظم هذه الروايات عن كون المدينة مسحورة و مملوئة بالثروات النفيسة، و لكن الغرابة الأكبر تكمن في عدم قدرة أي عين بشرية من رؤية ما فيها، فكل من حاول النظر من أعلى أسوارها كان مصيره الاختفاء التام. فهل لاقى هؤلاء الناس حتفهم أم أنهم انتقلوا إلى حياةٍ أكثر نعيمٍ و رفاهية؟ يبقى هذا السؤال لغزاً محيراً لا زالت إجابته مجهولة إلى يومنا هذا.

في حين تم تأريخ عدة قصص أسطورية حول هذه المدينة، إلاّ أن أبرزها كان ثلاث روايات تلخصت كالآتي: 

١-الرواية الأولى:

عُرفت الرواية الأشهر و الأقدم في "كتاب البدان" لكاتبه عبد الفقيه الهمذاني، و التي تحدثت عن قيام خامس الخلفاء الأمويين عبد الملك بن مروان بإرسال جيشٍ بقيادة القائد العسكري العربي موسى ابن نصير إلى مدينة النحاس للتحقق من صحة ما تم ذكره عنها، و عن الكنوز و الثروات الموجودة فيها. استمرت رحلة الجيش عدة أشهر، و في رواية أخرى يُذكر أنها استمرت مدة عامين!

كان الجيش قد تمكن من رؤية بريق المدينة قبل وصولهم إليها بعدة أيام، و بعد وصولهم المدينة أخيراً أدهشهم منظرها، و مساحتها الشاسعة، و ضخامة أسوارها التي بدت و كأنها لم تُبنى بفعل قوةٍ بشرية، بل بفعل مخلوقات ضخمة، أو حتى من الجن بحسب بعض الروايات. و بعد محاولات الجيش الحثيثة في الدخول إلى المدينة، إلاّ أنهم فشلوا في العثور على بوابةٍ من الأساس.

لم يستسلم الفرسان، فقاموا بجمع أمتعتهم و وصلوها بالحبال و السلالم ليتمكن أحدهم من الصعود إلى حافة السور و إخبار الجيش عمّا يوجد خلف الأسوار، ولكن المشهد الأكثر غرابة كان حين وصل الفارس الأول لحافة السور و بدأ بالضحك بأعلى صوته ثم سقط إلى داخل المدينة ولم يعد، و كذلك الحال بالنسبة للفارس الثاني و الثالث، و بعدها أُصيب الفرسان بالرعب من الاستمرار بالمحاولة و عادوا أدراجهم. 

٢-الرواية الثانية:

أما في الرواية الثانية المذكورة في كتاب "تحفة الألباب و نخبة الإعجاب" لكاتبه أبو حامد الأندلسي الغرناطي، فلم يحاول ثلاثة رجالٍ و حسب الصعود إلى السور، بل حاول فارس رابع الصعود أيضاً، ولكن هذه المرة بربط حبل حول خصره من أجل سحبه في حال كان مصيره كسابقه. كان الجزء المفزع في القصة هو حين همّ بالسقوط و ظل الجنود يحاولون سحبه حتى انقسم جسده إلى قسمين! قسمٌ سحبوه للخارج و قسمٌ سقط للداخل. 

و بحسب نفس الرواية حاول ابن نصير الحفر تحت سور المدينة محاولاً إنشاء خندقٍ للوصول إلى المدينة، ولكن المياه الجوفية حالت دون استطاعته الوصول للطرف الآخر، فانتهت هذه الرواية كسابقتها و عادوا أدراجهم. 

٣-الرواية الثالثة: 

في حين نفت معظم الروايات حقيقة دخول ابن نصير إلى المدينة، إلاّ أنّ تفاصيل هذه الرواية قد أكّدت على أن ابن نصير استطاع حقاً الدخول إليها بعد أن عثر على خمسٍ و عشرين بوابةٍ تمكّن فارسٌ واحدٌ فقط من النزول إلى المدينة و فتح أحدها من الداخل، و يُذكر بأن هذا الفارس هو الوحيد الذي تغلّب على تأثير المدينة الذي أصاب كل من سقطوا قبله. 

و بعد أن دخل الجيش المدينة ذُهلوا لما رأوه من كنوزٍ، و مجوهراتٍ، و ثرواتٍ هائلة! استطاع ابن نصير و جيشه آنذاك أخذ ما شاؤوا من الثروات و الجرار النحاسية و إعطاءها لأمير المؤمنين عند رجوعهم. 

تشييد المدينة: 

هنالك روايتين لتشييد المدينة؛ يُذكر في الأولى بأن الملك ذو القرنين هو من شيّدها و خبّأ فيها ثرواته و كنوزه، ثم سحرها لكي لا يحصل أحد عليها. أمّا الرواية الثانية فتقول بأن الجن هم من بنوها امتثالاً لأوامر النبي سليمان عليه السلام. 

اختفاء المدينة:

يقول البعض بأن مدينة النحاس قد اختفت نهائياً مِن على وجه الأرض، و منهم من يقول بأنها لا زالت موجودة و لكنها مخفية حالها كحال مدينة أطلانطيس و العديد من المدن الأسطورية الأخرى بتقنية تسمى "عباءة الإخفاء." و يُقال أيضاً بأن المسيح الدجّال هو من أخفى تلك المدن عن العيون البشرية لسببٍ لا زال مجهولاً. 

بالرغم من كثرة الروايات المحيرة و الأقاويل الخيالية حول مدينة النحاس، أو كما سماها الهمذاني مدينة البهت (أي الكذب)، إلاّ أنها ستظل لغزاً محيراً لأجيال عديدة. 

Enjoyed this article? Stay informed by joining our newsletter!

Comments

You must be logged in to post a comment.

Related Articles
يوليو ٢٠, ٢٠٢٢, ١٢:٤٧ م - مايكل جرجس جابر اسكندر
ديسمبر ٩, ٢٠٢١, ١٢:٤١ م - إيمان خالد الأخرس
أكتوبر ١٠, ٢٠٢١, ٩:١٠ ص - DR Ahmed Zaki
أغسطس ٣٠, ٢٠٢١, ١٠:٤٥ م - أسامة إسلام
About Author